نجحت إيران في تحويل الصراع مع الولايات المتحدة من صراع على النووي إلى صراع على مضيق هرمز, كونه ممرا رئيسيا لحركة الطاقة العالمية, وأصبحت الملاحة في المضيق جزءا من المواجهة المباشرة بين الطرفين.. ومما لا شك فيه أن استمرار التوتر في المضيق لا يؤثرعلى إيران والولايات المتحدة فقط، بل يمتد تأثيره إلى أسواق الطاقة العالمية وممرات النفط والشحن والتأمين وأي مواجهة بحرية واسعة ستؤدي حتما إلى ارتفاع تكاليف النقل والطاقة، كما قد تدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها أوتعليق عملياتها في المنطقة.
بعد انقضاء مهلة الستين يوما التي حددتها مذكرة التفاهم الأمريكي الإيراني لا يبدو أن الطرفين قريبان إلى تسوية نهائية، بل دخلت العلاقة بينهما مرحلة أكثر تعقيدا، تتزامن فيها الضغوط السياسية والاقتصادية مع تهديدات عسكرية مباشرة وتحركات مرتبطة بمضيق هرمز.
أتصور أن السيناريو القادم في هذا الصراع هو واحد من ثلاثة: أولهما "عودة المفاوضات" باعتباره السيناريو الأقل كلفة للجميع, ولكن هذه المرة عبر وسيط جديد بعدما ثبت تعثر باكستان، فقد ينجح الجديد في إحداث اختراق يفضي إلى صيغة تغير المعادلة ربما بملفات محدودة، مثل ضمان سلامة الملاحة وتخفيف بعض الإجراءات الاقتصادية، ثم الانتقال لاحقا إلى القضايا النووية والسياسية, لكن من هو هذا الوسيط؟ هل عراقي, كردستاني.. لا نعلم؟.. أما السيناريو الثاني فهو "الخنق الاقتصادي والبحري"، فقد تختار واشنطن زيادة الضغط على إيران من خلال تشديد العقوبات ومواصلة الحصار البحري, وفي هذه الحالة ستضيق الحالة في المضيق وتستخدم إيران أدواتها وأذرعها عبر ساحات إقليمية أخرى, وقد يؤدي هذا السيناريو إلى أزمة طويلة لا تصل إلى حرب شاملة، لكنها تبقي المنطقة تحت ضغط مستمر.أما السيناريو الأخير وهو الأسوأ على الإطلاق هو "المواجهة العسكرية الأوسع"، ويبدو أيضا أن إيران تستعد له حيث لوحظ تغيير في خطابها من التحذير الدفاعي إلى الحديث عن سياسة هجومية, وفي أحدث مؤشرات التصعيد هدد الرئيس ترامب بقصف سلطنة عُمان- التي دخلت في محادثات مع طهران بشأن مستقبل الملاحة في مضيق هرمز- إذا رأى أن مساعيها مع إيران تعرقل الإجراءات الأمريكية في المضيق, و كانت طهران قد أعلنت في مطلع أغسطس التوصل إلى تفاهم مع عُمان بشأن مسار جديد لعبور السفن في منطقة مضيق هرمز, تهديد ترامب لعمان يضيف عاملا جديدا إلى المعادلة، لأن أي استهداف للسلطنة يمكن أن يوسع نطاق الأزمة, نظرا لكون عمان كانت طوال سنوات طرفا مهما في الاتصالات غير المباشرة بين الطرفين واحتفظت بعلاقات معهما، واستخدمت موقعها السياسي في ملفات إقليمية عدة لنقل الرسائل ومحاولة منع المواجهات المباشرة, فعندما تضع واشنطن حليفا لها (عمان) في قلب المواجهة فقد يؤدي أي حادث بحري كبير إلى سلسلة من الردود المتبادلة يصعب احتواؤها.
فيما يخص المضيق لا تنظر إيران إلى الوضع فيه وإلى ملف الملاحة عموما بمعزل عن الحرب والتفاوض، بل تعتبره جزءا من المعادلة السياسية والعسكرية الأوسع وتسعى إلى ربط عودة الملاحة بسلوك واشنطن وإنهاء الحصار المفروض على موانئها, في حين ترى واشنطن أن إعادة فتح المضيق بصورة كاملة وآمنة تمثل جزءا أساسيا من أي تسوية مقبلة.. من هنا أصبحت التحركات العُمانية موضع مراقبة وضغط أمريكي متزايد, وتشير التطورات الأخيرة إلى أن واشنطن لا تريد ترتيبات بحرية منفصلة عن شروطها الأوسع المتعلقة بإيران، في حين تحاول طهران وعُمان الوصول إلى آلية تسمح بمرور السفن من دون أن تعني بالضرورة قبول المطالب الأمريكية بشأن إدارة المضيق.
أخيرا أتصور أن الوضع سيظل هكذا بين "الحرب واللا حرب" حتى نهاية نوفمبر القادم لتكون واشنطن قد انتهت من الانتخابات النصفية للكونجرس ويستدل على ذلك بتصريح ترامب في مقابلة هاتفية مع قناة "فوكس نيوز" بأن الولايات المتحدة لا تتعامل مع الأزمة وفق جدول زمني ضيق، وإنه ليس في عجلة من أمره لإنهاء الحرب أو الوصول إلى اتفاق, وينتظر أن ترفع إيران راية الاستسلام البيضاء ويعكس هذا التصريح ارتفاع سقف المطالب الأمريكية مقارنة بما كان مطروحا خلال مرحلة التفاهم الأولي..على الجانب الآخر ترفض إيران هذه التصريحات بصورة قاطعة وتراهن على الصبر الاستراتيجي وقدرتها على التعامل مع العقوبات والحصار منذ عقود، وتؤكد أنها لن تقبل بفرض ترتيبات أمريكية من طرف واحد.